المشهد :: حجرتي القديمة والكثير الكثير من الكتب والأوراق .. فلسفة وعلوم نفسية . أنثربولوجيا . وعلوم إجتماعية . أدب قديم وحديث وروايات نوبل .تاريخ وأديان مقارنة . أبحاث علمية وطبية . مواد إستشراقية وعلوم دقيقة . طهي . كتاب جديد أحبه "الحياة الخفية الغبار " والمزيد المزيد من تصنيفات لا تنتهي .
أرتب كل شىء وأتراجع للخلف بضع خطوات .. أستند على حافة قصيرة وأستدير ... ذاك سريري القديم ما زال بنفس الزاوية . هكذا هي أمي إستقرارية نمطية لا تحب تغيير أي شيء من مكانه .
أنظر للحجرة وأبتسم بحسرة مخبوءة وأشرع وجهي لباب الشرفة الواسعة المطلة على باحة البيت الكبير .
هنالك الجديد الذي لم أنتبه له رغم كل تلك الأعوام ... إلا أنني أتقن الوعي الجديد ربما لأنني أدرك أن هذا عالمي الذي عدت إليه بعد ضياع دام فوق السبع سنوات تلك بعض من غصون الشجر المزهر تتخلل الشرفة وتزينها وتحد من عرض السور
لابأس سأهذبها وأقلمها بعدما أسترد عافيتي ...
وتلك الأريكة القديمة ما زالت بمكانها بالشرفة ... تلك الأريكة شهدت طفولتى وصباي وها أنا أعود إليها من جديد . أستريح عليها وأطلق تنهيدة تأتي من أعماق سحيقة .... يا ربي ما مصدر كل هذا الحنين .... وكأنني كنت مغتربة وعدت للوطن .... بلى أنني فعلا ً كنت مغتربة وها أنا قد عدت ... كنت بإحدى المعتقلات ذات الصورة الإجتماعية الرائعة .
أرتد ساندة ظهري على الحائط وأتمتم " وماذا بعد يا نيرفانا ـ ها قد عدتي ـ ورتبتي حاجياتك الغالية على قلبك ِ . فقط لم تخرجي بشيء سوى كل أوراقك ِ وكتبك ِ وسترتين أو ثلاث ...
لا شيء يعوضنى عن عمري .ولا شيء سيخلص دمي من تلك الكيماويات . ولاشيء سيشفي ذاكرتي . ولا شيء سيعيد إليّ نور عيني وبصري الراحل . أغمضت عيني قليلا وأرخيت الجفون المنهكة من طول السهر والبكاء
توالى شريط حياتي أمامي ::::
ذاك يوم عرسي ــــ يا الله كم كنت جميلة ونحيلة وغير إعتيادية ... يا الله كيف هدمت فرحتى بلحظة وهو يصطحبنى من صالون التجميل ويحتج على عريّ فستانى .
ذاك الصباح التالي للعرس ــــ إستياء واضح فى عيون كل الحضور من شحوب وجهي ومظهره المحترق بالأنين .
ذاك شهر كامل ـــ أين الطفل أندهش .... هذا شهر فقط .... فقط شهر لعين شهر وبدأ العقار يدب أوصاله في دمي إرضاء لتقاليد معتوهه ولأنني كنت صغيرة وصغيرة جدا ً ووحيدة .... صامتة لا أحب أن أشغل الآخرين بهمي .... تقبلت
وصبرت
تلك شهور مرت ـــ عليّ الإستعداد لإتمام دراساتي العليا .... يأمر .... إتركي كل شيء ... بعد مهاترات ومشاحنات ... أتواءم ... لا بأس سأترك كل شيء لعل الله يهبني بطفل يطغي صراخه على هذا الصراخ الشائب .... شتان بين الإثنين
مر عام يجر فصوله وأيامه الشائخات وتوالت الأعوام تصطف فى الذكرى .... والعقار ما زال كل شهر يدب أوصاله في دمي ليصيب الوهن جسدي وتذبل روحي وصمتي يزداد ووجهي يعقد إتفاقية دائمة مع الخريف أن يهبه لون الشحوب
شعري الليلي الذي كنت أستتر وراءه كشجر الصفصاف أخذ يذبل ويتساقط ويعرينى للزمن والعائلة تتعجب ماذا بك يا جميلة تذبلين .... لا شىء .... فقط أكبر .... دوام الحال من المحال يا أمي ... أضحك يبدو أنها شيخوخة مبكرة ...
.من آن لآخر يدق باب بيتي .... أتحامل من فرط الألم وأنظر من ثقب الباب هذا أبي وتلك أمي ... ومرة أخرى هذا أخي وتلك أختي ....أبتهج إبتهاجا ً إصطناعيا ً .... تبا لي كم بت أتقن التمثيل وكأن حياتي مسرح كبير وكأنني تلميذة نجيبة من تلاميذ بريخت ....أبتسم وأشرق وتمر الساعات الرائعة فى ضيافتي السخية بالإبتسام والضحك المتواصل ... لا أحد قادر على بث الفرحة فى قلب أبي وأمي مثلي
بعد فترة ينغلق الباب ليطل علىّ الأسى من جديد من أعماق أعماق روحي السحيقة ... أتذكر جيدا ً أنني كنت أفزع من نومي على صوت أنيني ... أفزع لأننى كنت أخشى جرح قاتلي أو إزعاجه بهذ الأنين .
...تلك كانت مصيبتي ... الطامة الكبرى ونقطة الضعف الوحيدة فى شخصيتي " حناني الزائد وعدم إحتمالي بإحساس ذنب قد لا يكون تجاه الآخر "
أتذكر بكائي بغرفة العمليات أكثر من مرة .... وصراخي بالطبيب ... صدقنى " أنا لست عاقر " لا أريد إجراء تلك الجراحة ... لقد إستخرت الله ورأيت الرؤيا ... أراني ما سيحدث " ستمزقون أحشائي وتخرجون رحمي تنتهكون سره وتعيدونه كما كان دون أى تدخل منكم .... أرجوكم لا تفزعوه ولا تنتهكوا حرمته ... أعرفه سيفزع ... أنا عليمة بلغة جسدي
ولأنه يريد ولأنني أريد ولأن الحياة يجب أن تستمر ولأن الطبيب يضع إحتمالية بوجود شيء عليّ أن أرضى لتستمر الحياة ... ويدب الطبيب حقن التخدير الباردة بوريدي ويدب الطبيب مشرطه ليمزق أحشائي ودائما تصدق رؤيتي ... هكذا بت على علاقة وثيقة بتلك الغرفة بردائها الأخضر المفتوح من الأمام وحقنة التخدير التي أستفيق منها بمنتصف الجراحة لأرمقهم بإبتسامة قلقة فيعيدون تخديري بجرعة زائده .
هكذا توالت لدى الذكريات والطبيب يقول ... لا يوجد مانع وأبي يبدي إعتراضه لما الجراحة إذا فيرددون دائما ( نبحث فلربما
..!!!! )
تلك كانت حياتي يوميا كان هاتفي يدق فأرد بلطف ورقة متناهية على المتصل ... يدق بابي فأبهر القادمين بحسن ضيافتي ... وفى الليل
يدق وجعي فتنحني نفسي إجلالاً وإحتراما ً لصمتي .... هكذا كنت بئر عميق لا قرار له .... لا يعرفون منه سوى عسل يفيض على وجهه ويطفو .كل شيء تسرب من حولي ... إحساسي وعمري وصحتي ونقودي وممتلكاتي وأخيرا أعز ما عندي " نور عيني " ... وما كنت طوال تلك السنوات سوى كيان يحاول بإستمرار أن ينتمي لشيء ما ....
( لا بأس .. لا بأس ) هكذا كنت أحدث ذاتي ... لا بأس بأي شيء فليهون كل شىء فى سبيل بيت وطفل جميل ... سأتغاضى عن كل شيء وحينما يأتي الطفل سيكون رائعا ً كقلبي
ولكن
لم يأتي الطفل الرائع ولم يأتي الحب الذي إنتظرته ... ولم تعود بسمتي المتسربة على طرف قاع الحزن السحيق .. ورحلت عني صحتي للأبد أصبحت دماء تشتعل بالكيماويات منتفخة بالأنين والوجع . والعجيب العجيب ... أن خريف وجهي تسرب لعيوني وعقد إتفاقية مزدوجة مع الليل ...
فقدت ضياء عيني اليسرى واليمنى أوشكت على الأفول .. ولم أعد أتقن الرؤية من بعد الغسق ... فقط أسدل الستار على المتبقى من النظر وأترك عقلي يسبح فى جام التذكر والتفكر .... بت أتقن السمع أيضا ...
الشهور الثلاث الماضية كانت قاسية جدا ً جدا ً فوق الإحتمال .... كانت آلام صدري تزداد وأبصق الدم ولا يوجد سبب عضوي ... الجسد يئن ويئن ويقول أرجوكي أتقني السمع لـ لغتي يا بلهاء ... أتقني السمع ولو مرة واحدة فلم أعد أحتمل ... لا يغرنك مظهرك القوي أنت لا تقوين على حمل دفاترك وكتبك وأوراق عملك ... أصبحت كهلة فى ثوب شابة فتية ببنية فرعونية قوية ... أفيقي
.الروح كانت تئن وتحاول التمادي فى ركل قلبي لأعيرها الإهتمام ... فلم أهتم فعاقبتنى وسلبتنى نور عيني .العقل قرر أن يفيق وتحرر لوهلة ولم أعرف كيف تبعته الروح فالجسد ولكنه الكبت والضنين يولد الإنفجار
.....
لن أقول تبا ً للآخر ... بل هو مسكين ... سأقول تبا ً لبنائي النفسي وتبا ً لمعاقبتي المستمرة لذاتي على ذنب لم تقترفه .
عندما قررت الرحيل ومنذ إسبوعين متواصلين كنت باردة كلوح الثلج ... لا ألين ولا أذوب ... كان يبكي كثيراً ويعدني أن يتم إصلاح كل شيء ولا أدري من أين جاءت كل هذه القبل ... كان يمطرنى بها من رأسي لإخمص قدمي ّ ... وكأنه إستفاق أخيرا ً ولكن بعد فوات الأوان ولربما كانت فقط رجولته تئن لأنني أنا من إتخذت القرار ...
كان يردد ( برغم كل شيء لن أجد مثيلتك ... لن أعوضك حبيبتي ... لا تتركيني ... علميني كيف أعامل عقلك وقلبك ... أنا مسكين ولا أدري ... بالله عليكي علميني ... سامحيني ... سأتغير والله سأتغير ... لقد سامحتك على أخطاء كثيرة فسامحيني ... أعدك ِ ألا أنكأ جرحك من جديد ... بل أعدك ِ أنني سأشفيه ... أني أحبك حد جنوني بك ِ وولعي ... أعشق فيكي كل شيء ... روحك ِ وجسدك ِ ... أرجوكي لا ترحلي ... لا ترحلي ... لا تضيعي كل تلك السنوات هباء ً ... مهما كانت قسوتي عليك ِ فيها أعدك أنني سأتغير وسترحل كل القسوة إلى الأبد ... أغار عليك ِ حد قتلك ِ .... أحبــــــــك أحبــــــــك أحبــــــــك )
أرمقه بثلج متراكم على العقل والإحساس ... أضمه لصدري لتهدأ رجفته ... أشاطره البكاء فبرغم التبلد إلا أنني حنونة وأعلم أن الثلج منبعه العقل ... يشهق بقهر في صدري ... ينتحب كطفل فقد أمه ..." لا تتركيني " إضمه أكثر إلى أن يهدأ بين جنان حناني ..يغفو على صدري وأنا أمسح على شعرة وظهره وأقبل رأسه ..
أضمه برفق ليستفيق بعد ساعات طوال ويبتسم " ستبقين أليس كذلك "
أرمقه وفي عينييّ الدموع وعلى شفتيّ إبتسامة حنونة وبكل صدق حنونة "
سأرحمك ... بصدق أرحمك "
وسأرحل إلى الأبد ينتفض ...... أنت تقتلينني ....... يرتدي ملابسه بهيستريا ويغادر المنزل
... أجري إتصال لأمي .... إرسلي السائق بعد ساعة .... وإرسلي أحد من عمال المصنع معه ... تسألني أمي " خير ؟ ماذا هناك " لا شيء ماما .... لقد إستفقت .....
هكذا كان يمر شريط الذكريات أنتبه على صوت أمي ... نيروووو ... زوجك ِ على الهاتف أهاتفه
... يبكي ويئن ... لما رحلتي عن مملكتك ِ ... أجيبه بهدوء ... فلتهدأ حبيبي ولتعلم أني أرفع الظلم عنك وعني ... نحن مختلفين بكل شيء ... سيعوضك الله بشيء جميل ورائع مثلك وسيكون أروع مني
... يجيبني ... أريدك ِ أنتِ ... لن أجد مثلك ِ أنت ِ .. أنت ِ ملاك يسير على الأرض برغم كل أخطائك ِ إلا أنني لن أجد قلبا ً كقلبك ِ ولا تسامحا ً كتسامحك ِ ...ولا رفقا ً كرفقك ِ ...أجيبه وأنا لن أعوضك ما حييت ... ولكني لن أعود ... حبيبي حاول التكيف ... هكذا يكون التغيير دائما ً صعبا ً مريرا ً فما بالك بعشرة عمر وتجارب وحياة كاملة بكل أفراحها وأتراحها
يجيبني ... لا بأس ستعودين ... خذي وقتك ِ وسآتي لأعيدك ِ لبيتك ِ .. أجبته بصدق كل شىء إنتهى ... لقد رحلت للأبد ولن أعود ... فقط أنتظر ذلك الفعل المكون من خمسة حروف ... وأطلبه منه ...راجعي نفسك ....سويت هارت ... بلييف مي ... أتس دون يصمت لوقت طويل فقط أسمع الأنفاس تعلو وتهبط ... وبإنفعال هل هذا قرارك الأخير ... أجيبه نعم ... يعيدها ... هل هذا قرارك الأخير ؟؟ أجيبة نعم ينفعل أكثر لن تتحصلين على أي شيء ...إبتسم لعقلي فلم أخطأ القرار
... وأقول لا بأس لا أريد أي شيء ... أخذت ما يهمني .... كل أوراقي وسترتين أو ثلاث
يصرخ أنتي ....... ،، ....... ،، .......
أنفث نارا ً من صدري .... وأغلق الهاتف وأنهض دالفة لداخل حجرتي ... أرمقها من جديد ... وألتفت لمرآتي وأقترب حد الإلتصاق وأفكر ( كيف سأرمم كل تلك الشروخ بوجهي ... وكيف سأداري كل تلك الحكايا النائحات )أمد يدي فاتحه إحدى أدراج مرآتي لأجد ملف لأوراقي القديمة ( شكرا ً لنمطيتك أمي ) ... تقع عيناي على إيصال بمصروفات دراساتى العليا ... أبتهج قليلا ً فلربما علىّ المحاولة من جديد بهذ الطريق ... فلن أعيد يوما تلك المأساه جميل هو التحرر من الغبن
|
أحدهم said...
حين تتدثّر الحقائق برداء الذكريات و تلتحف الماضي فانها تتّخذ شكل طيف سريالي. فلم أمر من شهور طويلة ، و نسيت حتى، و لولا رابط نحو جرحي الذي لازال ينزف ربما لم أصدق هذه اللوحة السريالية. عدت على رواية كانت هدفا فاذ بها فصل نهاية، و كأننا نكتب ما نحلم به لننام، لأنهم أقنعونا أن التكيف مع الواقع درجة معيارية للسواء، لو كان الأمر كذلك لما تجاوزنا عصر الكهوف، طوبى للمتمردين ، قدّوس قدّوس ما تهذي به أرواح الغرانيق العلى، و سر أساف و نائلة الذي لا يعرفه سواي. و مذا بعد ؟