Sunday, December 06, 2015

سماء بلا ملائكة






كانت هي سماء ، نعم... تلك الفتاة التي تراها أمامك تنظر للمرآة وتقترب أكثر فأكثر وكأنها تريد أن تغوص داخل روحها ، تعبر لذاك الممر السري فتقتحم دواخل القلب وغرفه ، لا أحد يعلم بالتحديد ماذا تريد سماء ولا حتى ذاك الظل الذي يتابعها عبر بضع أنات ووجع ، عندها أسلمت كتفيها للريح كقامة شجرة طقسوس منتصبة ، وأسبلت جفونها، دارت مخيلتها لأمورعديدة " هل أسلم مقاليد العمر إليه ؟؟ كيف وهو يحمل وصمة الرجولة ؟  ألم أرى خالتي وهي تسلم عمرها للضياع فيطبق فكيه عليها ويمتص شغاف الروح ؟ ، ألم تركل الحياة صديقاتي على مؤخراتهن فلن تنفعهن ورقة عقيمة تحمل بعض من حبر مسكوب ، ربما كان لونه أزرق كوجع آتي يتربص بهن ، وربما تشتت اللون كتعويذة عراف حمراء تجفل لها عيون الملائكة وتتواري، فإن رأف بها القدر، فجعها مصارحًا بسواد صحيفتها القادم ، ومد لسانه لها بفظاظة ساخراً ومتسائلاً .. من تلك التي تسلم نفسها لرجل؟" هكذا أخبرها وعيها ، وهكذا إنسكبت جميع ذكرياتها في آتون اللحظة  فتذكرت كل تلك الخطبات 
الفاشلة حيث كان الحب متواريا خلف سياج التقليدية والنمطية .

 تربص بها الظل مناديًا

يا سماء تراجعي للوراء وإنظري "أليس ذاك ما تطلقين عليه الحب "؟ أى حب هذا الذي يولد دون إلتقاء قلبي رجل وإمرأة دون عبور جسر التواصل وفهم الآخر؟ ذاك عهر يا فتاة.. فعل فاضح لن يفرز سوى حيوات مشوهة لن يكتب لها البقاء. أي فتاة أنت ؟!! ألم تختبري ذاك أكثر من مرة ، ألم تشاهدي بعينيك ما يصير.

هزت سماء  رأسها هزة عنيفة بينما ضاقت بها الأنفاس وشعرت ببعض الغصة بحلقها ، لا تدرى لم شعرت حينذاك بالخوف والرهبة وكأن أحد ما سيطبق على عنقها ويسلبها حياتها. حاولت أن تفتح عينيها لم تستطع، حاولت أكثر فأكثر لم تستطع، صارخة بكل حواسها لا أستطيع  أن أفتح عيني ، جفنيّ منسدلين بقوة وكأن هنالك حجر كبير عليها.

 ضحك الظل ضحكة مدوية أفزعت وعي الصغيرة وأخبرها هامسًا وهو يقترب من أذنيها وكأنه يورِد إليها الشعور بالسرية الواجبة " سأعقد معك صفقة يا صغيرة " سأكشف لك حجاب الحياة عبر بلورة وعيك وأترك لك الحكم فيما ترين . أخبرته هل أستطيع أن أفتح جفنيّ بعد ذلك ؟ ، قال لها
أنا أفعل ذلك يا سماء لتتمكني من فتح جفنيكي وسأهديك هدية في آخر الرحلة ، فهيا أسلمي لي مقاليد الوعي وانصتي بشغف .

عبر ذات زمن مر رجل من هنا كان حائرًا عاريًا لا يعلم من الحياة سوى جوعه ، كان يفتش بين أروقة الوجود عما يسد جوعه ، ظل تائها فترة طويلة وحيدًا لا يرى مثيل له على تلك الحياة ولا يدرك حتى إمكانية وجود غيره ، كان يعتبر هذا الكوكب ملك له ، وحده هو سيده الآمر المتصرف في كل شىء كان ، ذات مرة نفد منه الطعام وتوجب عليه أن يعبر الضفة الأخرى من النهر، كان الليل يسدل ستاره ، هناك سمع صوتًا غريبًا لم يعتاده من قبل ، ولكنه صوت شجي يحمل نغمًا لذيذا يجعل قلبه يرتجف ويصيبه ببعض القشعريرة اللذيذة الممتعة ، كانت تلك القشعريرة أول إحساس باللذة شعر به هذا الرجل بعد إحساسه بالشبع جراء تناوله الطعام 
...
على أطراف أصابعه إنتقل ما بين أوراق الشجر المتساقطة متتبعًا الصوت فوجد كائنًا غريبًا، أصابته الدهشة حين رآه ، جسدًا لا يشبه جسده ، وإنما ترتسم ملامحه بطريقة ناعمة ، لونه مختلف، هيئته توحي بالرقة ، جسد يشبه أوراق الغابة النضرة البضة ، تعلوه خصل من الشعر الناعم كما تحتضن الصفصافة جذعها على إستحياء ،، إقترب على مهل مصدرًا بعض الصوت ، إلتفت هذا الكائن الجميل إليه متوجسًا وحاول الفرار بعيدًا مصابًا بالفزع ، جرى وراءه وهو يحاول الإمساك به ،، وقد تمكن أخيرًا من الامساك به بعنف ، فأصدر هذا الكائن الجميل صوت أنين  رأف له قلب الرجل فخفف من قبضة يده عليه ، وتبادلا النظر طويلاً كل منهما يتفحص الآخر ، حينذاك إرتسمت أولى ملامح العلاقة بينهما ، المرأة كائن أضعف جسديًا من الرجل ، تئن من إحكام  قبضته عليها ، إذًا فهو قادر على حمايتها وعلى إيذاءها في نفس اللحظة ، تفحص كل منهما ملامح الآخر وحينما هدأت وتيرة الخوف بدأت تركن قليلاً إليه ، وبدأ بتلمس ملامح وجهها فشعرت بحمرة تتدفق إلى خديها وشعر هو بالدم يتدفق عبر عروقه كان ذاك أول احساس بالشهوة بينهما ، إحساس رسم ملامح علاقة أيضا قادمة " المرأة تشعر بالخجل بينما الرجل يشعر بالشهوة ويحب ذاك الخجل إذا يحمى وطيس إحساسه بأنه كائن متفرد .

ربما القبول المبدئي لتلك اللمسات كان أيضًا إحدي الخطوط التي ترسم وتحد تلك العلاقة ، تعايش الكائنان معًا ، يخرج هو للصيد وتعد هي له الطعام ، تم التطبيع على هذا الأمر ، هي الكائن الجميل يجب عليه حمايته من الكائنات الأخرى التي في الغابة والتي لا تشبهها ، وقادرة على إيذاءها ، وهي يجب عليها أن تظل في مكانها لا تبرحه تعد لهما الطعام ، وتمنحه نفس إحساس اللذة الأول الذي شعر به وقتما تلاقيا ، ظل الأمر هكذا فترة من الزمن ، إلى أن شهر هذا الكائن الجميل بشىء يتحرك بداخله ، وأخبرته أنها ربما تضع مثل الغزالة ظبى صغير وجميل مثلها ، فهم الأمر بدوره وامتن له ، مرت الأمور سريعًا  وجاء كائنان جميلان ، كانت تلك الدهشة الأولى كائن يشبهه وكائن يشبهها ، وقتها أدركت قدرتها على منحه شىء ما يفتقده هو وأدرك كل منهما أنه خلق من أجل الآخر وأنهما  مثل جميع أزواج الحيوانات ، ذكر وأنثى  فحاولا التمثل ببعض سلوكياتهما ، هي ترعى البيت والصغيرين وهو يجلب الطعام ويحميهم من الحيوانات المفترسة .

 توالت الأدوار وكبر الصغيران ، وعبر زمن شعر الكائن الجميل بالملل وكرهت تلك المسئولية الملقاة عليها فحاولت الفرار وترك كل شىء وراءها ، أرادت أن تعيش على ضفة النهر وحيدة كما كانت ، دون مسؤلية ودون إرهاق في رعايته ورعاية الصغيرين ولكن هنالك شعور مايمنعها ، حبها لأطفالها ، لا يجب أن تتركهما وترحل ، ولكنها لا تحب أن تكون معه لقد سئمته ولا تدري السبب لذلك ، حاولت الفرار بالأطفال فمنعها وحاصرها وفرض عليها قوته البدنية فخشيت ايذاؤه ، ظلت تبكي تحت وطأة هذا الأسر، إلى أن جاء صوت قوى لهما ، صوت كائنات يشبه صوتهما ، أصوات كثيرة كثيرة وفجأة ظهر جمع من الرجال والنساء ، نظروا لهم نظرة عادية لأنهم يشبهونهم بينما أصيب رجلنا وكائنه الجميل بالدهشة فلم يسبق لهما أن أدركا أنه يوجد مثلهما ، تخيلا أن الكوكب ملك لهما هما فقط ، وقتها شاهدته وهو يجوال بعينيه لتلك الكائنات الجميلة التي تشبهها ويحاول أن يجد الفروق ويبحث عمن أجمل منها ، وحينما حاولت هي تفحص الآخرين أصدر صوتًا مزمجراً ناصحًا إياها بإغلاق عينيها ، فأخبرته ولم تنظر للكائنات الجميلة ؟ قال أنه الأقوى وأنها له هوفقط ، ومن هنا شعر بسطوته عليها وشعر أنه يتمكن من إمتلاك أكثر من كائن من تلك الكائنات الحلوة الممتعة ، قال لها يمنحننى شعور الدهشة الأول الذي رحل عنك

إهتز قلبها بصورة عنيفة وشعرت بالجرح الغائر ، حاولت أن تمنع الأخريات من أخذ كائنها ولكنها لم تستطيع فأدركت أنها غير قادرة على إمتلاكه ، فهو يريد وإرادته تلك لا يمكن تقييدها ، هنا انكسر شىء ما بداخلها ، تريده ولا تريده ، تغار ولاتغار ، يحمي ويجرح ، إنغلقت على ذاتها وتمادت بها تواليات السنين لتظل نفس تلك الصورة سائدة برغم الأقوام الكثيرة التي قابلاها فيما بعد  ، وبرغم ان تلك الأقوام تغير من وعيها وتجعلهما يستكشفا الحياة ويعرفا أن هنالك الكثير سوف يرونه كلما قابلوا أناس مختلفة . بوتيرة الحياة تطور الأمر وتعرفت الأقوام على أشياء كثيرة فعرفا التعليم وعرفا العمل وعرفا إنجاب أطفال كثيرة وأمتد بهما الأمر لتعلم فن الحياة .

ولكن بقيت الأنثى كما كانت صورتها الأولى ، الكائن الجميل الذي يمكن إيذاؤه ولا يملك من العالم أي حرية طالما امتلكها كائن آخر يشبه الرجل ، بقيت تلك الصورة في لاوعي الشعوب وتوارثتها الأجيال وحينما حاول بعض الكائنات الجميلة قول كلمة لا ، حاصرهم الرجال ومع توالى السنين إمتلكت المرأة بعض الحق اليسير بالمطالبة بالرحيل ، وأخذ الحرية فعلا ، ولكن ما بقي في ذاكرة الشعوب أنها ذاك الكائن السحرى الذي وجد في الغابة.

بقي الكائن الجميل يقوم بنفس الشىء ، يهذب المنزل ويعد الطعام ويربي الأطفال وحينما يريد أن يرحل فهو غير متاح له لأنه ملكية خاصة لا يمكن إنتقالها لآخر إلا إن تنازلت عن كل شىء ، راحلة تاركة وراءها بيتها وأحلامها وعمرها المنهوب والمسلوب ، وقت ذاك كان بعض الرجال قد تطوروا عن الطبيعة ، وقالوا لم نفعل ذاك بهذا الكائن الجميل ، وبدأ النظر من ناحية أخرى للأمر ولكن هذا بالطبع لا ينتج سوى من بعض المشاعر التي يمتلكها كليهما ، وذاك هو الحب يا صغيرتي ، والحب ليس مفردة نطلقها على المشاعر فقط ، ولكنها روح تسيطر كليا علينا من خلال ذاك المفهوم السحرى ، روح من التفاهم واحترام الآخر وإعطاء مساحات من  الحرية  ، وهذا لن ندركه بالحب فقط بل بالتفاهم والقدرة على التفاعل وتبادل الأدوار . ولكن الحب معطي مهم هنا ، الحب أن تؤثر آخر على أنانيتك ، فالحياة يجب أن تكون كشجرة الطقسوس الأنثى لا تملك بذورسامة ، لذا لن يمنحك الحبر المسكوب على ورقة حق أصيل ، ولن يشعرك القهر سوى بوجع الروح الذي لا نهاية له ، فحتى الموت لن يفيد فسيطلق روحا معذبة تئن عبر الأثير.

لويت سماء عنقها وهى  تتفكر فيما قاله الظل ، تحاول أن ترى هذا الماضي السحيق من عبر معطيات حياتها ، فتمثلته في خالتها المطلقة وصديقاتها المعذبات. رأت بالفعل أرواحهن وكأنها تئن حولها في  الغرفة ، تصدر ضجيج موجع فلا ورقة أعدات إليهن أعمارهن ولا منحتهن الاحساس بالأمان ، فالزواج ليس ورقة ومال وأيام تمضي ، شعرت ببعض الغصة تزداد في حلقها ولكن تنهيدة القلب هدأت وشعرت بأن عليها أن تصدق الظل وتساءلت !! هل يمكن أن أفتح عيني الآن ،، قال لها لا يا سماء ،، ليس عينيكي فقط ولكن لتمنحى سماءك بعض الملائكة فهنالك غرف بالعقل والقلب سيتدفقن منها وسيرقصن على سيمفونية عمرك إن منحتي العقل والقلب فرصتهما في إختيار المواءم لك بقدر من الحب البكر.

هنا رفعت سماء جفنيها فوجدت بعض من الأحلام الملونة وتراقصت الملائكة المطلق سراحهن ابتسم الظل ابتسامة خجول متباهيا بقدرته على جعلها تعبر خندق الصورة القديمة والموروث السائد للكائن الجميل .. شاعرًا بقدرته على منحها الوعي وتصحيح بعض مفاهيمها عن إلقاء المرأة لنفسها في أسر رجل لا تحبه مقابل ورقة لا قيمة لها.

زووووم أوت
صوت عالي من الخارج ... والدة سماء تصرخ بصوت عالي سماء ..أين أنت ؟؟!!
قولتك إيه؟ نكتب شيك على العريس بدل القايمة ووجع الدماغ ... أهو نضمن حقك يا بت ،، بدل خالتك الخايبة ،، هتعمل إيه بشوية الكراكيب واللي زاد وغطي أديها راحت خلعته ومشيت حافيه ..ههههههههه نظر الظل مفزوعًا لسماء وتضاءلت الملائكة وتوقف الرقص ..

زوووم إن
انتبه الجميع  في مشهد مؤثر ينتظرون رد فعل سماء .. القلوب نبضاتها تعالت .. أصبح الصوت مسموع جدًا  ، ردت سماء
وماله يا ماما أمال يعني هو مفكر إيه ؟.. هبله أنا ولا هبلة عشان مضمنش حقي ،، جاتها وكسة المحاكم وقوانين الأحوال الشخصية ، قال هيجيبولى حقي قال .. إن موريته أبن ال .... لو حاول يلعب بذيله .. ده الراجل من دول اتجوز طلق هو الكسبان .
التفتت سماء للخلف فوجدت الظل واقعًا على شيك مغشيا عليه ومن حوله صرعى الملائكة  ...

تمت



No comments: